الشيخ محمد هادي معرفة
95
تلخيص التمهيد
آيات مسستثنيات تعرَّض الأوائل لاستثناء آيات من سوَر تخالفها في النزول ، فربَّ سورة مكّية فيها آيات مدنية أو بالعكس ، واستقصى ذلك جلال الدين السيوطي في « الإتقان » مستوعباً ، غير أنَّه اعتمد في الأكثر على روايات ونقول ضعيفة ، ثمَّ جاء المتأخّرون ليأخذوا بذلك تقليداً من غير تحقيق « 1 » في حين أنَّ غالبية القائلين بهذه الاستثناءات قالوا بها عن حدسٍ أو اجتهادٍ في الرأي ، من غير أن يستندوا إلى نصّ صحيح مأثور . قال ابن الحصار : إنَّ من الناس من اعتمد في الاستثناء على الاجتهاد دون النقل « 2 » . ونحن إذ نستطرق هذا الباب نضرب عن كلِّ ما قالوه بهذا الشأن صفحاً إذا لم يكن مستنداً إلى دليل مقبول ، إذ لا شكَّ أنَّ الآيات كانت تسجَّل تباعاً في كلِّ سورة بعد نزول بسملتها - واحدة تلو أخرى - ترتيباً طبيعياً حسب النزول . أمّا أن تبقى آية مكّية غير مسجَّلة في سورة حتّى تنزل سورة بالمدينة ثمَّ تسجَّل فيها فهذا أمرٌ غريبٌ خارجٌ عن طريقة الثبت المعروف . كما أنَّ آية مدنية تسجَّل في سورة مكّية بحاجة إلى نصٍّ صريحٍ
--> ( 1 ) جاءت في المصحف الأميريّ - المطبوع بالقاهرة بإذن مشيخة الأزهر وبإشراف لجنة مراقبة البحوث الإسلامية - استثناءات بأرقام كبيرة ، لكنَّه تقليدٌ محضٌ لا أصل لأكثريتها الساحقة . وهكذا سجَّلها من غير تحقيق الشيخ أبو عبد اللَّه الزنجاني في تاريخ قرآنه . أضف إلى ذلك تناقضات جاءت في هكذا اختيارات تقليدية . مثلًا : جاء في المصحف الأميريّ أنَّ سورة ألم تنزيل ( السجدة ) نزلت بعد سورة المؤمن ، وأنَّ سورة حم تنزيل ( فصِّلت ) نزلت بعد سورة غافر ! في حين أنّ المؤمن وغافر اسمان لسورة واحدة ! وأثبت أبو عبداللَّه في تاريخ قرآنه قائمتين بشأن ترتيب نزول السور ، فذكر في القائمة الأولى أنَّ سورة الأنعام نزلت بعد الحِجر ، وفي الثانية أنّها نزلت بعد الكهف ! كما ذكر في الأولى أنَّ الأعراف نزلت بعد ص . وفي الثانية نزلت بعد الأنفال ! وذكر أنَّ السوَر المكّيّة : 85 ، والسوَر المدنية : 28 ، ولم يلتفت أنّها تنقص مجموع سوَر القرآن بواحدة ! وأظنّه في ذلك قلَّد الإمام بدر الدين الزركشي ! ! كما جاء في مصحف مطبوع على عهد القاجارية قائمتان : الأولى تسجِّل عام نزول كلِّ سورة ، والثانية تسجِّل ترتيب النزول . فجاء في الأولى : نزلت الصافّات في العام الخامس من البعثة ، ونزلت الأنعام في العام الثالث عشر . ثم جاء في القائمة الثانية : أنَّ الصافات نزلت بعد الأنعام ! ! وأمثال هذا التناقض كثير . ( 2 ) الإتقان : ج 1 ص 14 .